شَغّل مُخَّك أيها الفايسبوكي،
ليس كل ما تراه على شاشة حاسوبك أو هاتفك حقيقة.
فكرت وتأملت مليا
في عقلية صديقي فوجدت : أن لا عقل له، بالرغم من أن معترض قد يعترض ويقول:كيف ذلك وهو آدمي ابن
آدم ؟ وقتئذ سأضطر إلى توضيح ما أعنيه بالعقل، فما العقل إذن؟ وهل فعلا يختص به
الانسان لوحده دون باقي المخلوقات؟ وإذا كان شيئا ينفرد به الانسان فمتى يمتلكه؟
هل هو فطري فيه ام يكتسب؟
إن
العقل قدرة ونشاط وعمليات ذهنية يستخدمها الإنسان للتمييز بين الخير والشر،
وتمييز الحق من الباطل، والحسن من القبيح. أو لنقل هو ما به يكون التفكير
والاستدلال. أما صديقي يأخذ الشر خيرا، والخير شرا، والحسن قبيحا ،والقبيح حسنا ،
ويلبس الحق بالباطل، ويتشبت بالباطل على انه حق؛ زد على ذلك أنه لا
يفكر، فما التفكير؟ إنه إِعمالُ العقلِ في مشكلة للتوصل إِلى حلِّها، التفكير تحليل وتفكيك وتجزيء للموضوع المدروس ورده إلى عناصره المكونة له، ثم
التركيب المناسب بين هذه العناصر بعد دراستها لإدراك حقيقة ما نحن بصدده،
وبهذه الطريقة نميز الحقائق عن غيرها من أكاذيب الفايسبوكي الذي يتغيى فقط الظهور
في الإفتراضي لا غير، ظهوره بتفاهات وكلام مزين بأكاذيب لها جمهورها من التافهين
مثله. مع أن الفايسبوك يضم أيضا المفكرون الحقيقيون الذين تجدهم في خرجاتهم وتدويناتهم عقلاء وعقلانيون جعلوا التنوير هدفا لظهورهم، لعلهم يعيدون لمدمني المربع الأزرق رشدهم، ولكن لا حياة لمن تنادي، فالموجه إليهم الكلام أعمتهم شهواتهم وميولاتهم عن إدراك الحق والحقيقة.
وصديقنا لا يفكر ولا يحل مشاكل ولا يستطيع التعمق في قضية، بل يأتي بحل جاهز لها، ولا يشارك في حل معضلة إلا في تلك التي حصل سلفا على
حل لها، يأتي بها من مصادر أخرى غير ذاته، مصادر فيسبوكية لا يصدقها عاقل. وفي نقاشاته لا يفعل إلا استحضار الفايسبوك الذي حاولنا الإبتعاد عنه هنيهة، يسجن عقله في أفكار غيره المشكوك في صحتها، والغريب في الأمر أنه يدعي امتلاك القدرة على تعقل الأمور بغير خجل ولا حياء منه، أليس ادعاؤه هذا تفكيرا؟ أبدا؛ بل
على العكس من ذلك تماما، إنه اللافكر.
فصاحبنا إذن يعطي لنفسه ما ليست إياه، وأناني مفرط
في أنانيته، وتعني الأنانيّة :عيب الإنسان الذي يبالغ في حب نفسه والإعجاب بها ،
وفي التمتع دون سواه بكل ما هو مفيد، وهذا عيب صديقنا، لا يكترث ولا يهتم لأحد،
وإن كان لا يستثني أحدا من نميمته، إنه
لمَّاز؛ لا يذكر امرئ إلا وأمطره سبا. ألا يجب علينا في الواقع
أن نحسن النية بالآخرين ونتذكر حسناتهم قبل إساءة الظن بهم؟ ألم تقل العلماء "الزم السكوت فإن فيه السلامة, وتجنب الكلام الفارغ فإن
عاقبته الندامة".
وإذا كان هذا هو حال صديقنا، ألا يمكننا تسمية هذا النوع
من اللافكر بلاهة؟ وما البلاهة ؟ أهي جهل وحماقات وتبلد وغياب المعارف؟ لا إنها لا
تعني الجهل، وإنما اللاَّفكر الذي تنطوي عليه الأفكار الجاهزة(ميلان كونديرا)،
ومرد ذلك إلى إدمانه على الفيسبوك حيث يتسع مجال اللافكر بتهافت مستخدميه؛ وهذا ما
يسميه "ميلان كونديرا" بـ "الكيتش"، ومعناه :" موقف ذاك
الذي يود أن ينال إعجاب أكبر عدد من الناس وبأي ثمن، ولنيل الإعجاب ينبغي
للمرء تكريس ما يود الجميع سماعه، ينبغي أن يكون في خدمة الأفكار الجاهزة ". كما أن "م.كونديرا" يعني بــ" الكيتش" حاجة المرء إلى أن يرى نفسه في مرآة الكذب المجملة، وأن يتعرف على نفسه في هذه المرآة
برضا مؤثر، فما العمل أمام هكذا عقليات؟
يجب علينا
إعمال الفكر لمقاومة البلاهة، وتعقب اللافكر الذي تنطوي عليه الأفكار الجاهزة.
علينا ألا نترك أنفسنا تنقاد وراء الجاهز من الأفكار. وأن نطلق العنان لعقلنا
يفكر. نعم ينبغي إعمال الفكر بما هو حسب هايدجر'' إصغاء لصوت الوجود''، فهل
نرضى لأحد أن ينصت بدلا عنا؟...كما ينبغي فضح الوسائل والاساليب التي تستلب
الانسان...وأن نجعل من التفكير كما جعله نيتشه "إعمال المطرقة".فمن الضروري الربط بين الفكر والمطرقة، ربط
من خلاله نجعل الفكر يجس نبض الأشياء ويكون أكثر إنصاتا لموسيقى العالم، ومن
يتكلم عن الموسيقى لابد وأن يستحضر الصمت كمكون أساسي لكل معزوفة.
يمكن القول إذن أن حصر العقل وحبسه داخل حدود ما يعرفه الآخرون هو قضاء على قدرات الفكر الهائلة
التي كانت وما تزال تشكل أهم شروط التقدم، فلولا هذا التعدد في المهارات العقلية
لخُلق العلم مكتملا ومعه جميع ضروب المعرفة الأخرى. لكن الأمر عكس ذلك تماما، حيث
تتعدد التأويلات لنفس الواقع وتختلف أشكالها من مؤَوّل لآخر، والإنسان يتعلم
باستمرار ويجدد من معارفه كل عصر؛ لأن له قدرة هائلة على التعلم وبه يتميز عن باقي
الحيوانات ، إذ بسرعة كبيرة يستطيع التكيف والاستجابة للظروف المحيطة به، هذه
الأخيرة ليست هي نفسها للجميع، فلكل منا ظروفه التي تستوجب إبداع وخلق طرق وأساليب
وكيفيات للتعامل معها، ومن هنا تعدد معارفنا وتنوعها. لكن صديقنا لا يتعلم بتلك الطرق، إنه يتظاهر بامتلاك ما لا يملك، وهذا ما يسميه جان
بودريار بـ"التشبه"، وهذا تكبر
منه، زد على ذلك أنه دائما يجعل من نفسه في موقع قوة، يتصيد نقاط الضعف لينزع
الثقة بالنفس لدى الآخرين؛ آآآه كم أود لو تَبَصَّر في ذاته بوضوح قبل فوات الأوان. شَغّل مُخَّك أيها الفايسبوكي، ليس كل ما تراه على شاشة حاسوبك أو هاتفك حقيقة، ولا تكن كالأشياء المحرومة من العقل؛ ففي بعض الأحيان ينبغي أن نكون عقلاء أكثر من اللزوم ، لأن هناك من يتصيد غفلتنا في الفايسبوك ليمرر حماقات وسخافات يحاول إقناعنا بأهميتها.
0 تعليقات